أسعد بن مهذب بن مماتي

10

كتاب قوانين الدواوين

فقال له أبو المليح أرني هذه السمكة . فأراه إياها ، فقال له : كم سمت فيها ؟ فقال : لا أنقصها من ألف دينار درهما واحدا . فأخذ بيده وقبض ألف دينار من ماله وتركها عنده مدة ، فاتفق أن شرب أبو مليح يوما وسكر ، وقال لندمائه : قد اشتهيت سمكا ، هاتم المقلى والنار حتى نقليه بحضرتنا . فجاءه بمقلى حديد وفحم وتركوه على النار وجاء بتلك السمكة العنبر فتركها في المقلى ، فجعلت تتقلى وتفوح روائحها حتى لم يبق بمصر دار إلا ودخلتها تلك الرائحة . وكان بدر الجمالى جالسا ، فشم تلك الرائحة ، وتزايدت فاستدعى الخزان وأمرهم بفتح خزائنه وتفتيشها خوفا من حريق قد يكون وقع فيها ، فوجدوا خزائنه سالمة ، فقال : ويحكم ! انظروا ما هذا . ففتشوا حتى وقعوا على حقيقة الخبر فاستعظم ، وقال : هذا النصراني الفاعل الصانع قد أكل أموالي واستبدّ بالدنيا دونى حتى أمكنه أن يفعل مثل هذا . وتركه إلى الغداة ، فلما دخل إليه وهو مغضب ، قال له : ويحك ! أستعظم أنا - وأنا ملك مصر - شرى سمكة من العنبر فأتركها استكثارا لثمنها ، فتشتريها أنت ثم لا يقنعك حتى تقليها وتذهب في ساعة ألف دينار مصرية ؟ ما فعلت هذا إلا وقد نقلت بيت أموالي إليك وفعلت . فقال له : واللّه ما فعلت هذا إلا غيرة عليك ومحبة لك ، فإنك اليوم سلطان نصف الدنيا ، وهذه السمكة لا يشتريها إلا ملك ، فخفت أن يذهب بها إلى بعض الملوك ويخبره بأنك استعظمتها ولم تشترها فأردت أن أعكس الأمر وأعلمه أنك ما تركتها إلا احتقارا لها وأنها لم يكن لها عندك مقدار ، وأن كاتبا نصرانيا من كتّابك اشتراها وأحرقها ، فيشيع بذلك ذكرك ، ويعظم عند الملوك قدرك . فاستحسن بدر ذلك منه وأمر له بضعفى ثمنها وزاد من رزقه . وكان مماتي مع ذلك كريما قد مدحه الشعراء ، فذكر أبو الصلت في كتاب الرسالة المصرية له أن أبا طاهر إسماعيل بن محمد النشاع المعروف بابن مكنسة كان منقطعا إليه ، فلما مات مماتي رثاه ابن مكنسة بقصيدة منها :